ابن رشد
140
تهافت التهافت
فإن قيل : لما وجد وعقل ذاته لزمه أن يعقل أنه مبدأ . قلنا : لزمه ذلك لعلة أو لغير علة فإن كان لعلة فلا علة إلا المبدأ الأول وهو واحد ولا يتصور أن يصدر منه إلا واحد وقد صدر وهو ذات المعلول فالثاني كيف يصدر منه . وإن لزم بغير علة فليلزم وجود الأول موجودات بلا علة كثيرة وليلزم منها الكثرة . فإن لم يعقل هذا من حيث أن واجب الوجود لا يكون إلا واحدا والزائد على الواحد ممكن والممكن يفتقر إلى علة فهذا اللازم في حق المعلول إن كان واجب الوجود بذاته فقد بطل قولهم واجب الوجود واحد وإن كان ممكنا فلا بدّ له من علة ولا علة له فلا يعقل وجوده . وليس هو من ضرورة المعلول الأول لكونه ممكن الوجود ، فإن إمكان الوجود ضروري في كل معلول ، أما كون المعلول عالما بالعلة ليس ضروريا في وجود ذاته كما أن كون العلة عالما بالمعلول ليس ضروريا في وجود ذاته بل لزوم العلم بالمعلول أظهر من لزوم العلم بالعلة فبان أن الكثرة الحاصلة من علمه بالمبدأ محال فإنه لا مبدأ له وليس هو من ضرورة وجود ذات المعلول وهذا أيضا لا مخرج عنه . قلت : هذه حجة من يوجب أن يكون الأول يعقل من ذاته ما هو له علة ، لأنه يقول : إن لم يعقل من ذاته أنه مبدأ فقد عقل ذاته عقلا ناقصا . وأما اعتراض أبي حامد على هذا فمعناه إن كان عقل ما هو له مبدأ ، فلا يخلو أن يكون ذلك لعلة ، أو لغير علة ، فإن كان لعلة لزم أن يكون للأول علة ، ولا علة للأول ، وإن كان لغير علة ، وجب أن يلزم عنه كثرة ، وإن لم يعلمها ، فإن لزمت عنه كثرة ، لم يكن واجب الوجود ، لأن واجب الوجود لا يكون إلا واحدا ، والذي يصدر عنه أكثر من واحد هو ممكن الوجود ، والممكن الوجود مفتقر إلى علة ، فقد بطل قولهم أن يكون الأول واجب الوجود ، وأن يعلم معلوله . قال : وإذا كان كون المعلول عالما بالعلة ليس من ضرورة وجوده فأحرى ألا يكون من ضرورة كون العلة أن تكون « عارفة بمعلولها » . قلت : هذا كلام سفسطاني ، فإنه إذا فرضنا العلة عقلا ويعقل معلولة فإنه ليس يلزم عن ذلك أن يكون ذلك لعلة زائدة على ذاته ، بل لنفس ذاته إذ كان صدور المعلول عنه شيئا تابعا لذاته ، ولا إن كان صدور المعلول عنه لا لعلة بل لذاته يلزم أن يكون يصدر عنه كثرة ، لأن ذلك على أصلهم راجع لذاته إن كانت ذاته واحدة صدر عنها واحد ، وإن كانت كثيرة صدر عنها كثرة . وما وضع في هذا القول من أن كل معلول فهو ممكن الوجود ، فإن هذا إنما هو صادق في